رمضان في السودان: استعدادات رغم الحرب والمعاناة

اعداد الأبري (الحلو مر)

اعداد الأبري (الحلو مر) استعدادا لشهر رمضان -وسائل التواصل

السودان : ٢٧فبراير ٢٠٢٥م : راديو دبنقا

مع اقتراب شهر رمضان المبارك، تنخرط الأسر السودانية في استعداداتها التقليدية لاستقبال الشهر الفضيل، رغم ما تعيشه البلاد من ظروف صعبة نتيجة الحرب المستمرة منذ عامين. ورغم المعاناة، يبقى رمضان مناسبة لها طقوسها الخاصة التي تحاول الأسر التمسك بها، حتى في ظل النزوح وارتفاع تكاليف المعيشة.

الآبري.. المشروب الرمضاني الذي تراجعت مكانته بسبب الحرب

فاطمة، من الدمازين بإقليم النيل الأزرق، ترسل تهانيها عبر أثير راديو دبنقا إلى كل المسلمين وأهل السودان، سواء في الداخل أو الخارج، وتؤكد أن أسرتها، كغيرها من الأسر السودانية، أعدت ما تيسر من احتياجات الإفطار، حيث يبقى مشروب “الآبري” أو “الحلومر” في صدارة الاهتمامات باعتباره مشروبًا شعبيًا مفضلًا في رمضان. ورغم شح الإمكانيات، فقد تمكنت من تحضيره. كما كشفت فاطمة لبرنامج “كنداكات وميارم” عن مبادرة ينفذها شباب وشابات الدمازين لتجهيز وجبات الإفطار للنازحين في معسكرات النزوح، في خطوة تعكس روح التكافل الاجتماعي.

أما في القضارف، فتصف تغريد فرحتها بحلول رمضان، لكنها تشير إلى أن أوضاع المعيشة الصعبة حالت دون تجهيز المستلزمات الرمضانية الأساسية، حيث تعجز العديد من الأسر في المعسكرات عن تحضير المشروبات الشعبية والمأكولات التقليدية. وتتحسر على عدم تمكنها لأول مرة من إعداد “الآبري”، رغم الارتباط الوجداني العميق به خلال الشهر الفضيل.

ليلى خميس، وهي نازحة من الخرطوم تقيم حاليًا في القضارف، تؤكد بدورها أن تجهيزات رمضان عادة متوارثة لدى السودانيين، خاصة تحضير المشروبات الشعبية، لكنها تعبر عن حزنها لأن الحرب حرمتهم من هذه العادات الجميلة، قائلة: “نتمنى أن تتوقف الحرب حتى نعود إلى حياتنا الطبيعية ونستعيد أجواء رمضان كما كانت”.

رمضان هذا العام.. تكاليف مرتفعة وظروف اقتصادية خانقة

الخنساء عبدالمنعم مجذوب، تتحدث بأسى عن توقف أحد التقاليد العائلية المتوارثة بسبب الحرب، حيث كانت تتلقى سنويًا لوازم رمضان من أقاربها في الجزيرة، مثل البلح والبليلة والكركدي والآبري، لكن النزاع الدائر أوقف هذا التواصل وأثر على العادات الجميلة التي كانت تربط الأسر السودانية.

ومن داخل القضارف، تعبر لواحظ الضو عن أسفها لعجز العديد من الأسر عن شراء مستلزمات رمضان بسبب الغلاء المعيشي الناتج عن الحرب. وتوضح أن صناعة “الآبري” أصبحت مكلفة، ما أجبر الأسر على تقليل الكميات المعتادة أو الاستغناء عنها.

أما أم الحسن، من عطبرة، فتشير إلى أن الفارق كبير بين رمضان هذا العام والأعوام السابقة للحرب. وتستذكر كيف كانت رائحة “الحلومر” تعبق أجواء المدينة في مثل هذه الأيام، بينما أصبح الآن من الكماليات التي لا يستطيع الكثيرون توفيرها. وترجع ذلك إلى الظروف الصعبة التي تعيشها الأسر، سواء بسبب النزوح أو فقدان الممتلكات، ما جعل الأولوية البحث عن الأمان أكثر من توفير مستلزمات رمضان. كما تشكو من عدم توفر السيولة وغياب صرف المرتبات، في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية، ما زاد من معاناة الأسر التي كانت تعتمد على دعم أبنائها، والذين تضرروا بدورهم من الحرب أو لجأت أسرهم إلى دول الجوار. ورغم ذلك، تبقى متفائلة بأن رمضان يحمل معه الخير والبركات، متمنية أن يعم السلام البلاد قريبًا.

التكافل الاجتماعي حاضر رغم المعاناة

حليمة، من عطبرة، تتحدث عن تزامن رمضان هذا العام مع دخول شهر مارس، مشيرة إلى أنهم كانوا يأملون في صرف المرتبات لشراء الاحتياجات الرمضانية. لكنها تؤكد أن التكافل بين الأسر النازحة ساعد على توفير بعض المستلزمات الأساسية عبر الجمعيات الصغيرة، حيث تم تحضير “الآبري” رغم الصعوبات. كما تشكو من استغلال بعض التجار للطلب المتزايد في رمضان عبر مضاعفة الأسعار، متمنية أن تتحسن الظروف الاقتصادية وأن يعود السلام إلى السودان.

رمضان في دارفور.. محاولات للحفاظ على الطقوس رغم الحرب

في مدينة برام بولاية جنوب دارفور، تقول حواء أحمد عثمان إنها تمكنت من إعداد “الآبري” و”الرقاق”، استعدادًا لاستقبال رمضان. وتشير إلى أن تجمعات النساء لصناعة “الآبري” لا تزال مستمرة، حيث تجتمع النساء في منازل بعضهن للمشاركة في عملية “العواسة”، وهي عادة سودانية تقليدية أشبه بنفير جماعي، حيث يجلبن السكر والبن والمأكولات المتاحة، ويقضين اليوم في تحضير المشروب وسط أجواء من الأنس والتعاون.

أما بالنسبة للأواني الخاصة بالمشروبات الرمضانية، فتوضح حواء أن النساء اعتدن تجديدها سنويًا، لكن في ظل الحرب، أصبح من الأفضل استخدام المتاح لتقليل النفقات. كما تشير إلى ارتفاع أسعار السلع هذا العام، ما أثر على تجهيزات العديد من الأسر لاستقبال رمضان. ومع ذلك، تؤكد توفر مشروبات بلدية من ثمار الأشجار المحلية، مثل “القنقليز” من أشجار التبلدي، و”العرديب”، و”القضيم”، والكركدي، والتي توفر عصائر طبيعية مرغوبة خلال الشهر الفضيل.

رمضان رغم الحرب.. تمسك بالعادات وتطلع للأفضل

رغم استمرار الحرب للعام الثالث، يبقى رمضان مناسبة تحمل معاني التكافل والتراحم، حيث تسعى الأسر السودانية، سواء في المدن أو معسكرات النزوح، إلى التمسك بما تستطيع من تقاليدها، ولو بجهد أقل وإمكانيات محدودة. ومع كل الصعوبات، يظل الأمل معلقًا بانتهاء الحرب وعودة الاستقرار، ليعود رمضان كما كان، شهرًا يعمه الفرح والاجتماع حول مائدة الإفطار في أجواء أسرية دافئة.

Welcome

Install
×